الشيخ محمد رشيد رضا
663
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما داما على حالهما ، فإذا غيرا ما بأنفسهما غير اللّه ما بهما . جعل هذا جزاءهما في الدنيا وجعل جهنم مأوى للكفار وحدهم في الآخرة ، لأجل أن يميز الكفر من الايمان ، والحق والعدل من الجور والطغيان ، فلن يجتمع في حكمه سبحانه الضدان ، ولا يستوي في جزائه النقيضان ( 5 : 103 قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) فالخبيث والطيب المعنويان في حكم العقلاء والفضلا ، كالخبيث والطيب الحسيين في حكم سليمي الحواس ولا سيما الشمّ . وقد سبق لنا تحقيق هذا المعنى في تفسير هذه الآية من سورة المائدة « 1 » وفي تفسير ( 3 : 169 ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) « 2 » قرأ حمزة والكسائي ( يميز ) بالتشديد من التمييز وقرأها الجمهور بالتخفيف . والمراد بالميز والتمييز ما كان بالفعل والجزاء كما قلنا لا بالعلم فهو بكل شيء عليم ، وهذا التمييز الإلهى بين الأمرين في الاجتماع البشري يوافق ما يسمى في عرف هذا العصر بسنة الانتخاب الطبيعي وبقاء أمثل الأمرين المتقابلين وأصلحهما . وسنن اللّه في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي ( رح ) وإن جهل ذلك الخبيثون المتكلمون على الشفاعات والمغترون بالألقاب الدينية من كل ملة وأمة . فالخبيث في الدنيا خبيث في الآخرة لا ينفعه شيء ، ولذلك قال وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً أي ويجعل سبحانه الخبيث بعضه منضما متراكبا على بعض بحسب سنته تعالى في اجتماع المتشاكلات ، وانضمام المتناسبات ، وائتلاف المتعارفات ، واختلاف المتناكرات ، يقال ركمه إذا جمع بعضه إلى بعض ومنه ( سحاب مركوم ) فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ يجعل أصحابه فيها يوم القيامة أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ التامو الخسران وحدهم ، لأنهم خسروا أموالهم وأنفسهم جاء مصر القاهرة من عهد قريب صاحب صحيفة سورية دورية من دعاة الالحاد المتفرنجين ، فأقام فيها أياما قلائل استحكمت فيها له مودة أشهر ملاحدة مصر ودعاة الزندقة والإباحة فيها ، فعاد ينوّه بهم ، وينشر دعايتهم ، ويزعم أنهم
--> ( 1 ) راجع ص 122 ج 7 تفسير ( 2 ) ص 253 ج 4 منه